أخبار عاجلة

مكواة الرجل حين يتحول الكي إلى فن والحديد إلى تراث

الحاج أحمد المكوجي: المهنة تظل ثابتة في وجه التغيرات  منذ 1910

• النشا والصابون لتلميع الجلابية..  وما زلت أستخدم نفس الأدوات التي ورثتها من أبي

تقرير : ميسون إيهاب

داخل زقاق قديم في إحدى حواري محافظة الشرقية يقبع محل صغير تفوح منه رائحة التاريخ يحتضن بين جدرانه حكاية مهنة قاومت الزمن هناك يجلس الحاج أحمد المكوجي آخر من تبقى من جيل أتقن «مكواة الرجل» المكواة التي تعمل بالفحم وتزن أكثر من 18 كيلوجراما  وتحتاج إلى فن وصبر وليس مجرد ضغط زر.

حكاية مهنة ورثها الحاج أحمد عن آبائه

يروي الحاج أحمد: المكان دا من سنة 1910 كان أبوي يشتغل فيه من الأول وأنا واخواتي ورثناه عنه»  هكذا يبدأ الحاج أحمد حديثه عن رحلته الطويلة مع المهنة  التي بدأها منذ خمسين عامًا ولا يزال مستمرًا فيها حتى اليوم المكواة التي يستخدمها ليست عادية  فهي مكواة تقليدية جلبها من تركيا قبل عقود ويبلغ عمرها الآن نحو 70 عامًا

ويشرح أن «مكواة الرجل» تختلف تمامًا عن المكواة الكهربائية، فهي تُسخَّن بالفحم، وتُقلب على ظهرها أثناء التسخين، وليس على وجهها كما يظن البعض. وعند الاستخدام، يضع قطعة خشبية فوق المكواة ليتمكن من التحكم بها أثناء الكي، مستخدمًا قدمه في الضغط عليها. هذا الضغط، إلى جانب ثقل المكواة ذاته، هو السر في فرد الأقمشة، خاصة الثقيلة منها الجلبية  البلدي والكتان الصوفي

لكل نوع من القماش درجة حرارة خاصة ويقول الحاج أحمد إنه يختبر حرارة المكواة يدويًا: «لو لقيت المكواة بتمشي بصعوبة على القماش بعرف إن حرارتها عالية ف بسيبها تهدى شوية لكن لو لقيتها بتمشي بسلاسة أبدأ الكي فورًا».

المكواة التقليدية.. مهارة وفن

ويضيف: بستخدم نشا وصابون عشان الجلابية تطلع تلمع ولسه بشتغل بنفس الأدوات اللي ورثتها من أبويا ما تغيرش غير إننا جبنا جهاز بيبوخ الميه  كما يشير إلى أن المكواة تحتاج إلى زي خاص  «جلبية بلدي»، لأنها لا تصلح إلا للملابس الرجالية التقليدية الثقيلة.

الحاج أحمد يبدأ عمله منذ الثامنة صباحًا يساعده ابن أخيه محمد الذي يعمل معه منذ عشر سنوات. في الأيام العادية، يكوي بين أربع إلى خمس قطع يوميًا، أما في المناسبات والأعياد فقد تصل إلى عشر قطع. ويعلق: «الرزق على الله، بس الدنيا اتغيرت، ماعدش فيه ناس كتير بتيجي، غير الكبار اللى بيحبو اللبس المفرود صح».

ورغم قلة الإقبال لا يزال يحتفظ بزبائنه من مختلف المحافظات: «بيجوني عمد، ومشايخ، وأعضاء مجلس نواب، وكلهم بيحبوا الشغل المظبوط». ويشير إلى أن البعض يأتيه خصيصًا قبل المناسبات، «علشان اللبس يطلع مفرود ومفيهوش كسر».

وحين يُسأل عن أصعب ما يواجهه يقول إن الفحم يجب أن يكون مضبوطًا: «لو ولع زيادة يحرق القماش  ولو هادي  المكواة ما تسخنش كويس». ويضيف: «أكتر حاجة بتعبني ضهري المكواة ثقيلة وأنا واقف بالساعات بس اتعودت عليها وبقيت سهلة في إيدي

التحديات اليومية

ورغم كل الصعوبات لا يرى نفسه يترك المهنة بسهولة: «لو الحال فضل كده ممكن تنتهي.. الشباب ما بقاش عنده صبر وكلهم بيجروا على السهل لكن لسه في ناس بتحب الشغلانة وده اللي مخليني مكمل.

بين نار الفحم وبرودة الواقع يواصل الحاج أحمد رحلته مع «مكواة الرجل» حاملًا شغفه ومهنته على كتفيه كما حمل والده المكواة ذاتها قبل أكثر من قرن  وبينما تتراجع المهنة يومًا بعد يوم يظل هذا الرجل شاهدًا حيًا على زمن كان فيه الكيّ فنًا والمكواة قطعة من روح الحرفة لا مجرد أداة

عن admin

شاهد أيضاً

التراث الحرفي.. زيكا يواصل صناعة الفن اليدوي

الزخارف الإسلامية والقبطية تشكل جزءًا من هويته الفنية إبداع زيكا لا يقتصر على الربح بل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *