أخبار عاجلة

مسعود شومان: الحفاظ على التراث الشعبي وتوثيقه.. المهمة الأكبر للأجيال القادمة

الأديب، الروائي، والباحث في حوار من القلب

مسعود شومان: الحفاظ على التراث الشعبي وتوثيقه.. المهمة الأكبر للأجيال القادمة

الفلكلور الشعبي علمّني كيف أتعايش مع ذاتي وأتقبل الآخر

رحلتي في دراسة الفلكلور بدأت من أمي وجدي، الذين زرعوا فيَّ حب التراث

التراث المصري ليس مجرد ماضي، بل جزء من هويتنا الثقافية التي يجب أن نحافظ عليها

من خلال دراستي للفلكلور، اكتشفت كيف يمكن للأغاني الشعبية أن تحمل رسائل عميقة؟

  

حوار : نورهان أسامة      مؤمن أسامة

شخصية ثقافية متميزة، شاعر وباحث مصري له العديد من الإسهامات القيمة في الشعر العامي، وقد تميز بإنتاجه الأدبي الثرّ في مختلف مجالات الفنون الأدبية. يُعتبر الأديب، الروائي، والباحث مسعود شومان من أبرز الشخصيات التي تركت بصمة واضحة في الأدب العربي، خاصة في مجال دراسة الفلكلور والتراث الشعبي. شومان ليس فقط مبدعاً في الشعر، بل هو أيضاً من الداعمين البارزين لفهم وتوثيق التراث الثقافي المصري، وهو ما جعل من أعماله مرجعاً مهماً للكثير من الباحثين والمبدعين في العالم العربي.. كان لنا هذا الحوار الممتد معه، لنقترب أكثر من تجربته ونتعرف على رؤاه في قضايا الأدب والتراث.

– حدثنا عن قصتك مع الكتابة، كيف بدأت وما الذي ألهمك لها؟-

— أنا وُلدت في مدينة صغيرة، تشبه إلى حد ما الريف، وهي مدينة شبين القناطر بمحافظة القليوبية. نشأت في أسرة ذات ارتباط وثيق بالتراث الشعبي، فقد كانت والدتي من حفظة التراث والمأثور الشعبي، وكانت دائمًا ما تردد بعض الأغاني الشعبية والأمثال. كما كان جدي -رحمه الله- من رواد الموالد الشعبية، وكان يصطحبني منذ صغري إلى هذه الموالد. هناك، كانت عيناي تطلان على هذا العالم الواسع المليء بالأصوات والطبول وحركات الذكر في المولد، إضافة إلى الأطعمة الخاصة بهذه المناسبة. في هذه الأجواء، بدأت أذني تتربى على الموسيقى، وعيني تتأمل الأشكال الفنية التي تظهر في المولد، وبدأ جسدي يتمايل مع حركة الذكر. كل هذا كان له أثر كبير في توجيهي نحو كتابة الشعر.

أيضًا، كان للكتاب (المكان الذي يُحفظ فيه القرآن الكريم) تأثير كبير عليّ، فقد علمنا اللغة العربية بشكل جيد، وكذلك الكتابة، وكان حفظ القرآن يساعد في تعليم القراءة والنحو بشكل دقيق.

كما كانت علاقتي بالكتابة تتطور من خلال شراء المجلات وزيارة المكتبات في المدارس المختلفة. كلما انتقلت من مدرسة إلى أخرى، كنت أحرص على زيارة مكتبة المدرسة لقراءة الكتب، وبالإضافة إلى ذلك، كانت حكايات والدتي تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل فهمي للتراث الشعبي، وهو ما دفعني لدراسة عالم الفلكلور، لمعرفة كيف ورثت والدتي هذا الكنز من التراث والحكمة.

ثم لاحظت أن بعض الأغاني البسيطة، مثل «يا طالع الشجرة» التي كنا نغنيها ونحن أطفال، تحمل معاني عميقة، عندما بدأت أدرس الفلكلور والأنثروبولوجيا، اكتشفت أن الشجرة في الأغنية تمثل شجرة المعرفة، وأن البقرة تمثل الإلهة التي تعني الخصب والنماء.

كل هذا ساعدني في التوجه نحو دراسة الفلكلور بشكل أكاديمي، فقد درست في المعهد العالي للفنون الشعبية، ثم حصلت على درجة الدكتوراه في الأنثروبولوجيا الثقافية من جامعة القاهرة، ولقد كان هذا التوجه مدفوعًا برغبتي في فهم التراث الشعبي بشكل أعمق.

– من هم الأدباء الذين تأثرت بهم؟

— في البداية، لم يكن لدي تأثير كبير من كُتاب بعينهم، بل كانت الحياة الشعبية التي كنت أعيشها، من خلال زياراتي للموالد ومعايشتي للأجواء الريفية، والاستماع للحكايات وممارسة الألعاب الشعبية، هي التي شكلت شخصيتي، وعندما التحقت بالجامعة، بدأت القراءة بشكل أوسع وتعرفت على شعراء العامية مثل: فؤاد حداد، صلاح جاهين، فؤاد قاعود، وأحمد فؤاد نجم. وكان من حسن حظي أنني التقيت ببعضهم في ندوات وكنت أُرافقهم مثل: عبد الرحمن الأبنودي، سيد حجاب، سمير عبد الباقي، وفؤاد قاعود، هذه الأسماء اللامعة كان لها تأثير كبير في حركة الشعر المصري. كما تعرفت على العديد من شعراء الفصحى وقرأت الروايات، ومع مرور الوقت، أصبحت من الشعراء الذين كتبوا أكثر من 20 ديوانًا، بالإضافة إلى ما يقارب الـ 15 كتابًا بحثيًا ونقديًا.

– هل ترى أن الأدب المصري يعكس القضايا الاجتماعية والثقافية التي نعيشها الآن؟

— بالطبع، فإن أي أدب حقيقي لا يمكن أن يكون منفصلًا عن القضايا الاجتماعية. على سبيل المثال، لو تحدثنا عن الأديب العظيم نجيب محفوظ، نجد أنه استخدم الحياة الاجتماعية في فترات متعددة، واستلهم ذاكرة المكان في الحسين، والغورية، والجمالية، وقدم صورة واقعية للحياة السياسية والاجتماعية في عصره. كذلك، شعراء العامية مثل فؤاد حداد وصلاح جاهين قدّموا أصداء الحياة الاجتماعية في شعرهم، الأدب، سواء كان شعريًا أو روائيًا، هو ذاكرة مهمة جدًا للتعبير عن الحياة الاجتماعية من جوانب متعددة، بما في ذلك الأبعاد النفسية.

– هل التراث المصري جزء من إلهامك في الكتابة؟

— بالطبع، كما ذكرت في بداية حديثي، نشأت في بيئة شعبية محاطة بالعديد من الألعاب الشعبية والحكايات. وكانت زياراتي للموالد، والأسواق، والعادات الشعبية جزءًا من حياتي اليومية، لقد تأثرت بشكل كبير بتلك الأجواء، وعملت على جمع المأثورات الشعبية من مختلف أنحاء مصر، من حلايب وشلاتين حتى السلوم في الصعيد. هذا التراث كان له تأثير بالغ في كتابتي، لكن الأثر الأكبر كان من والدتي، وجدي، والحياة الشعبية التي عشتها في بلدتي.

  ما هو أكثر جزء من التراث المصري الذي يستهويك؟

— أنا عاشق للتراث المصري بشكل عام، وقد جمعت العديد من النصوص الشعرية الشعبية من مختلف أنحاء مصر. لكنني أُولي اهتمامًا خاصًا بالشعر الشعبي، مثل الموال، والمربع، والدوبِيت، والمجرودة. هذه الأنواع الشعرية تحمل موسيقاها الخاصة، وتُعبر عن عادات وتقاليد مرتبطة بها، وقد عشقتها بشكل كبير، هذه الأنواع أصبحت جزءًا من تكويني الفكري، وتلهمني في كتابتي الشعرية.

– كيف نتمكن من الحفاظ على التراث المصري في الوقت الحالي؟

— الحفاظ على التراث الشعبي المصري هو مهمة عظيمة، ويتطلب أدوات خاصة مثل التسجيل وجمع المادة الميدانية. نحن بحاجة إلى مجموعات عمل متخصصة في جمع هذا التراث، مثل توثيق الرقصات الشعبية باستخدام تقنيات كريوجرافية، أو توثيق الموسيقى والكلمات مع المختصين في هذه المجالات، من المهم أيضًا أن نعمل على تسجيل التراث اللامادي من خلال منظمة اليونسكو لضمان حفظه. لقد بذلت جهدًا كبيرًا في جمع التراث الشعبي، وأصدرت العديد من الكتب والأبحاث التي تساهم في الحفاظ عليه.

— ما هي الحكايات والأساطير الشعبية التي يجب أن نرويها في هذه الفترة؟

— من الضروري أن نجمع الحكايات الشعبية ونرويها للأطفال، فكل حكاية تحمل في طياتها حكمًا ومعانٍ عميقة. ومن هنا، بدأت مشروعًا كبيرًا اسمه «حكايات الجدود والجدات» لجمع الحكايات من جميع أنحاء مصر، بهدف نقلها إلى الأطفال، كما يجب على الأمهات أن يتعلمن هذه الحكايات ويعلموها لأطفالهن، ليظل التراث حيًا في أذهان الأجيال القادمة.

– إذا كنت ستقوم بعمل كامل عن التراث، ما هو أكثر جزء ستركز عليه؟

— أنا متخصص في الشعر الشعبي، وأخطط لإعداد معجم شامل لكل المصطلحات المتعلقة بعناصر الشعر الشعبي في مصر والعالم العربي، هناك العديد من المصطلحات الخاصة بكل منطقة ثقافية في مصر، ومن المهم أن يتعرف الجيل الجديد على هذه المصطلحات وأن يفهم القيم التي تحملها.

– كيف ترى التراث المصري مقارنة بتراث الشعوب الأخرى؟

— مصر تعتبر من أغنى الدول في التراث الشعبي على مستوى العالم. ففي كل منطقة من مناطق مصر، نجد نوعًا خاصًا من الغناء والفنون الشعبية. من السمسية في القناة إلى غناء المجرودة في شمال شرق مصر، ومن فن الكف في الصعيد إلى غناء النميم في أسوان. كل منطقة تحمل تراثًا خاصًا بها يعكس هويتها الثقافية، وهذا التراث يساهم في تشكيل الهوية المصرية.

– نصيحة تقدمها للشباب الذين يريدون دخول عالم الفلكلور؟

— أوصي الشباب بالعودة إلى جذورهم، والتحدث مع أجدادهم وجداتهم عن العادات والتقاليد والألعاب الشعبية. عليهم أن يدونوا كل ما يتعلق بهذا التراث، وأن يتعلموا من خلال المعهد العالي للفنون الشعبية أو دراسة الفلكلور بشكل أكاديمي. كما يجب أن يتحلوا بالبصيرة والنزول إلى الميدان لجمع العادات والتقاليد، والاعتزاز بتراثهم الثقافي.

  ما هو دور الكتاب في الحفاظ على التراث الشعبي في الوقت الحالي؟

— ليس من الضروري أن يستلهم كل كاتب التراث الشعبي، لكن على الأقل يجب أن يستلهم كُتاب الأدب المحلي تراث البيئة التي خرجوا منها. يجب على الكتاب التعرف على العادات والتقاليد الخاصة بمناطقهم، فكل مكان له طبيعته الخاصة. هذا سيساعد الكتاب على التميز في أعمالهم الأدبية.

— في النهاية نشكر الدكتور مسعود شومان على إتاحته الفرصة لنا للتعرف على تجربته الفريدة وإسهاماته القيمة في مجال الأدب الشعبي. نتمنى له دوام التميز والإبداع في جميع مساعيه الأدبية والبحثية، وأن يستمر في تقديم أعماله التي تُثرِي الأدب العربي وتجسد روح التراث المصري العريق.

عن admin

شاهد أيضاً

الدكتور خالد أبو الليل: الأدب الشعبي ليس مجرد تخصص علمي بل هو جزء من هويتنا

يسهم في تشكيل الوعي للمجتمعات الدكتور خالد أبو الليل: الأدب الشعبي ليس مجرد تخصص علمي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *