أخبار عاجلة

محمد أبو سريع.. ستيني ينسج الجمال من الطبيعة

من جريد النخيل تُصنع الحكايات

محمد أبو سريع.. ستيني ينسج الجمال من الطبيعة

من الأدوات البسيطة إلى التحف الفاخرة.. أسرار صناعة الأثاث من جريد النخل

أبو سريع: ننتظر دعم الدولة للصناعات اليدوية وحفظ تراثنا للأجيال القادمة

 

 

تقرير : ميسون ايهاب

في إحدى قرى الريف المصري، يجلس محمد أبو سريع، رجل ستيني من صُنّاع الجمال الصامت، يحترف منذ طفولته حرفة قديمة توارثتها الأجيال: صناعة الكراسي والأقفاص من جريد النخل.. بين يديه البسيطتين وأدواته اليدوية، ينسج أبو سريع فنًا نابضًا بروح التراث، يخشى عليه من الاندثار وسط غياب الدعم وتراجع الإقبال.

مجلة «وتد»، في هذا التحقيق تغوص في حكاية رجل جعل من الطبيعة مصدرًا للإبداع والرزق، ورفع راية الحرف اليدوية في وجه النسيان.

بداية الحكاية من الطفولة

«أنا عندي 66 سنة واشتغلت في صناعة الأقفاص والكراسي من جريد النخل من وأنا عندي 12 سنة. اتعلمتها من أبويا وأعمامي، وكل عيلتنا تقريبًا كانت شغالة فيها، يعني اتولدت لقيت نفسي في وسط الشغلانة دي».

ورث العم محمد المهنة أبًا عن جد، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل أحبها وتعلق بها إلى أن أصبحت جزءًا لا يتجزأ من كيانه، ومصدرًا للسكينة النفسية قبل أن تكون وسيلة للرزق. يقول وهو يبتسم: «أنا بحبها، ودايمًا بقول إنها مش بس شغل.. دي فن وهواية وفرحة كبيرة لما أشوف شغلي بيخلص. لما بخلص قطعة بإيديا، بحس بفخر، كأني خلقت حاجة حية من الجريد.»

المراحل تبدأ من النخلة

يشير محمد إلى رزمة من جريد النخل بجواره، ويتناول واحدة منها بيديه الخبيرتين، ويشرح قائلًا: «الجريد لازم يكون من نوع معين، بنسميه جريد سيوي، ده بيطلع في موسم تطليع البلح، وبيكون طري ومرن وسهل التشكيل. بنبدأ نقشره كويس وننظفه من الشوك، وبعدين نقيسه على المتر، لأن كل حاجة في الشغل ده لازم تكون دقيقة جدًا، أي زيادة أو نقصان بسيط ممكن يبوظ القطعة كلها.»

يتعامل مع أدواته — السكين، السطور، المثقاب اليدوي — بحذر شديد ومهارة مدهشة، ويضيف: «أنا بشتغل وأنا قاعد، بس المهنة دي محتاجة تركيز وجهد كبير. ساعات وأنا شغال ممكن أتعور لو سرحت لحظة، خصوصًا وأنا بقسم الجريدة لشرائح رفيعة جدًا. التركيز هنا أهم من أي حاجة»

من القفص للكراسي..  الطلب تغيّر

في الماضي، كانت الأقفاص تُطلب بكثرة من المزارعين وتجار الطيور، وكان الشغل على مدار اليوم لا يتوقف. أما اليوم، فالوضع أصبح مختلفًا تمامًا. «الناس دلوقتي بتطلب قفاص طيور أكتر، لكن الكراسي والديكورات بقت قليلة، لأنها بقت غالية ومحتاجة زبون مقتدر. الكرسي بياخد وقت ومجهود كبير، ومش أي حد مستعد يدفع فيه. الزبون دلوقتي بيدور على الأرخص، حتى لو كان بلا طابع أو روح.»

تفاصيل معقدة ومهارة عالية

«الكرسي الواحد ممكن ياخد 3 أيام شغل متواصل: يوم للتفصيل والتثقيب، ويوم لصنع العمدان بدقة، ويوم لتجميع القطعة وربطها ببعض. أوقات ممكن الكرسي الواحد يحتاج 20 جريدة، وكل جريدة بتتقسم على 12 مقاس مختلف، وكل شريحة ليها مكانها وترتيبها، ولازم كل حاجة تبقى متناسقة علشان التركيبة تطلع مظبوطة وما تتهزش.»

ويشير إلى أحد الكراسي المصنوعة حديثًا بفخر ظاهر في عينيه، ويقول: «أنا بصنع من الجريد أثاث وتحف بتعيش سنين طويلة، والناس بتتفاجأ من جودتها وجمالها. كل قطعة بعملها بإيدي بتكون ليها حكاية، وكل عميل بيمسك الكرسي يعرف إنه شغل يدوي نادر.»

غياب الدعم وخوف من الاندثار

رغم كل هذا الجهد والإخلاص في العمل، إلا أن الواقع لا يبدو منصفًا بالنسبة للعم محمد. «مفيش دعم للصناعات الصغيرة واليدوية، رغم إن دي الصناعات اللي بتعبر عن هويتنا وثقافتنا. الشغل قل، والناس بقت تدور على الأرخص، حتى لو كان بلا روح. إحنا بننتج شغل من قلب الأرض، من الطبيعة، لكن الدولة مش مهتمة بينا، ولا حد بيسأل.»

رسالة من القلب

«نفسي الدولة تدي الصناعات اليدوية فرصة تعيش، وتساعدنا نعلمه للأجيال الجديدة. الحرف دي بتخلق فرص عمل بكرامة، وبتحافظ على تراثنا اللي بيضيع سنة ورا سنة. احنا بنصنع من أبسط حاجة زي الجريد شغل يفرّح القلب.. بس محتاجين اللي يمد إيده ويدعمنا، ويساعدنا نوصل شغلنا للناس اللي تستحقه، مش نفضل نشتغل في صمت لحد ما المهنة تنقرض من غير ما حد يحس.»

ورشة بلا جدران.. في الهواء الطلق

لا يمتلك العم محمد ورشة مغلقة كما هو الحال في الصناعات الحديثة، بل يعمل في فناء صغير بجوار منزله، تحت شجرة تظلل المكان، وبجوار أدواته البسيطة التي تتكئ على جدران الطين القديمة. يقول: «دي ورشتي.. هنا بدأت وهنا لسه مكمل. الشمس هي نوري، والنسمة هي تكييفي، وكل زاوية فيها ذكريات وقطع شغلي اللي بفتخر بيها».

وعلى رف خشبي بسيط، يصطف عدد من الكراسي والأقفاص التي صنعها مؤخرًا، كأنها معرض صغير مفتوح للعابرين، يلتقطون له صورًا أحيانًا ويندهشون من التفاصيل. «الناس بتيجي تتفرج، وفيه اللي بيشتري، وفيه اللي بيعدّي ويتأمل بس.. وده كفاية. شغلي مش مجرد بيع، دي رسالة ورسمة من روحي على الجريد».

الشغل بإيدي بيطمني

بالنسبة لمحمد أبو سريع، لم تكن الحرفة مجرد وسيلة للكسب، بل كانت ملاذًا نفسيًا وسندًا في أوقات الشدة. «في لحظات الضيق، بلجأ للشغل.. لما بمسك الجريدة وأبتدي أشكلها، بحس إني بسيب الهم ورا ضهري. الشغل بإيدي بيطمني وبيخليني حاسس إني لسه نافع، ولسه عندي حاجة أقدّمها».

هذا الارتباط العميق بالحرفة جعله لا يتوقف حتى في أيام المرض أو الإرهاق، إذ يرى أن الجريد لا يخونه، وأنه دائمًا صادق في استجابته لمهارة اليد. «العالم بيتغير، لكن الشغل بإيدينا بيخلينا نحس إن لينا مكان، ولسه فينا روح بتعرف تصنع حاجة من لا شيء».

عن admin

شاهد أيضاً

التراث الحرفي.. زيكا يواصل صناعة الفن اليدوي

الزخارف الإسلامية والقبطية تشكل جزءًا من هويته الفنية إبداع زيكا لا يقتصر على الربح بل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *