أخبار عاجلة

صناعة الطبول.. كيف يتحول الخشب والجلد إلى إيقاع نابض بالحياة؟

الحرفيون في الدرب الأحمر يرون تفاصيل التصنيع من قطع الخشب إلى المرحلة النهائية

محمد سلامة: الصعوبات في التصنيع تؤثر على المبيعات

محمد عباس: الخشب المستخدم «البياض موسكي» 

إبراهيم جودة: تدهور الخامات يؤثر على جودة الانتاج

تحقيق: ميسون إيهاب مريم محمد

في مصر، وتحديدًا في الدرب الأحمر، يعمل الحرفيون بكل جهد في صناعة الطبول التقليدية، مستمرون في الحفاظ على هذا الفن التراثي الذي يمتد عبر الأجيال، يعتبرون هذه الحرفة أكثر من مجرد مهنة، بل هي جزء من هوية مصرية متجذرة في التاريخ، تعكس صمودهم أمام التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي مروا بها على مر السنين، وبالرغم من التحديات العديدة، ما زال هؤلاء الحرفيون يواصلون الإبداع ويضعون لمساتهم الفنية على الطبول التي تُعتبر رمزًا ثقافيًا وموسيقيًا في مختلف المناسبات. في هذه الورشة المتواضعة في قلب القاهرة القديمة، يبذل الحرفيون جهودًا متواصلة لتصنيع الطبول التي تتمتع بجودة عالية وحرفية مميزة، ويحرصون على نقل هذه المهارة إلى الأجيال الجديدة.

مراحل تصنيع الطبول

يقول «محمد عباس»، وهو حرفي مخضرم يعمل في صناعة الطبول منذ أكثر من ثلاثين عامًا، إن هذه المهنة ليست مجرد عمل يدوي، بل هي فن متكامل يتطلب الدقة والصبر والخبرة، ويشاركنا تفاصيل عمله والمراحل الدقيقة التي تمر بها صناعة الطبول بدءًا من المرحلة الأولى التي تتضمن قطع الخشب، مرورًا بتشكيله، وانتهاءً بالتشطيب النهائي. ويوضح أن العملية تبدأ باختيار نوع الخشب المناسب، والذي يُعرف باسم «البياض موسكي»، وهو نوع من الأخشاب يُستخدم نظرًا لخفته ومرونته، مما يجعله مثاليًا لتشكيل الطبول.

يتم إدخال هذه القطع الخشبية إلى ماكينات متخصصة تقوم بنحتها وتفريغها وفقًا لأبعاد مدروسة، ثم تُجمع الأجزاء المختلفة وتُثبت باستخدام الغراء الصناعي القوي لضمان التحامها بشكل جيد. بعد ذلك، تأتي مرحلة الصنفرة والمعالجة بالمعجون، والتي تهدف إلى تنعيم السطح وإزالة أي عيوب خشبية، لتُصبح جاهزة للمرحلة التالية من تركيب الجلد والزخرفة، وهي مراحل تتطلب حسًا فنيًا وخبرة طويلة. يؤكد عباس أن كل طبلة تحمل طابعًا خاصًا، فهي ليست مجرد أداة موسيقية، بل قطعة فنية نابعة من التراث.

تدهور خامات التصنيع

من جانبه، يقول «إبراهيم جودة»، وهو أحد العمال المهرة الذين عملوا في هذه الحرفة لأكثر من عشرين عامًا، إن الخامات التي تُستخدم في تصنيع الطبول لم تعد كما كانت في السابق، فقد شهدت تدهورًا واضحًا في جودتها خلال السنوات الأخيرة. ويشير إلى أن المواد الخام التي كان من السهل الحصول عليها في الماضي، مثل الخشب الجيد والجلد الطبيعي عالي الجودة، أصبحت اليوم نادرة وصعبة المنال، كما أن المتوفر منها لا يتمتع بالمواصفات نفسها، ما أثر بشكل سلبي على جودة الطبول المنتجة.

ويضيف أن الأزمات الاقتصادية وارتفاع تكاليف الاستيراد قلصت من قدرة الحرفيين على شراء خامات عالية الجودة، مما اضطرهم إلى الاعتماد على بدائل محلية أقل جودة. كما أن أسعار هذه الخامات ارتفعت بشكل ملحوظ، وهو ما فرض تحديات إضافية على أصحاب الورش الصغيرة، وأثر بدوره على القدرة التنافسية للطبول المصرية في الأسواق المحلية والخارجية.

تحديات التصدير والطلب

أما الحاج «محمد سلامة»، صاحب الورشة، فقد تحدث إلينا عن التحديات التي واجهته على مدى سنوات طويلة من العمل في صناعة الطبول، مشيرًا إلى أن حبه لهذه المهنة بدأ منذ كان في سن الرابعة، حين كان يساعد والده في الورشة، وتعلّم منها الكثير حتى بات اليوم أحد أبرز الحرفيين في هذا المجال. يؤكد الحاج محمد أن الطلب على الطبول تراجع بشكل كبير في السنوات الأخيرة، بسبب عدة عوامل، أهمها التغيرات الاقتصادية التي أثرت على القوة الشرائية، إلى جانب الصعوبات الكبيرة التي تواجهها الورش في عملية التصدير.

ويضيف أن التصدير أصبح أمرًا معقدًا للغاية، إذ يتطلب التعامل مع بيروقراطية طويلة، وتحمُّل تكاليف شحن مرتفعة، بالإضافة إلى منافسة قوية من دول مثل الهند وإندونيسيا، التي تنتج طبولًا بأسعار أقل وجودة مقبولة، مما جعل الكثير من المستوردين يفضلون التعامل مع هذه الأسواق على حساب الطبول المصرية. كما أبدى استياءه من قلة الدعم الحكومي، مشيرًا إلى أن الحوافز التي كانت تقدمها الدولة في الماضي، وخاصة عبر جمعية خان الخليلي، توقفت تمامًا منذ الثمانينات، ولم تعد هناك مساعدات تُذكر، لا في توفير الخامات ولا في التدريب.

وأكد أن هذا الوضع انعكس سلبًا على استمرارية المهنة، موضحًا أن تدريب الأجيال الجديدة أصبح صعبًا، فغياب الدعم يعني أن الشاب المقبل على الحرفة لن يجد ما يشجعه على البقاء فيها، كما أن تكاليف التدريب والخامات باتت عبئًا ثقيلًا على أصحاب الورش، الذين يعانون أصلًا من تراجع المبيعات وارتفاع المصاريف.

الأمل في الحفاظ على الحرفة

ورغم كل ما سبق من تحديات وضغوط، لا يزال هناك بصيص أمل لدى هؤلاء الحرفيين الذين يواصلون التمسك بهذه الحرفة باعتبارها جزءًا أصيلًا من التراث المصري. ويؤكدون على ضرورة أن تتدخل الجهات المعنية لتوفير برامج دعم وتدريب وتشجيع للحفاظ على هذه المهنة. فوجود حرفيين مثل محمد عباس، وإبراهيم جودة، والحاج محمد سلامة، دليل على أن هناك خبرات ثمينة لا يجب التفريط فيها، بل يجب أن تكون نواة لتعليم أجيال جديدة.

ويأمل العاملون في هذا المجال أن تعود صناعة الطبول إلى سابق مجدها، وأن يُعاد النظر في دعم الصناعات التراثية بشكل جاد، بحيث تتمكن من المنافسة في الأسواق العالمية، ويتم الحفاظ على هذا الإرث الفني الذي ينبض بالحياة.

ويعبر عن الروح المصرية الأصيلة.

عن admin

شاهد أيضاً

التراث الحرفي.. زيكا يواصل صناعة الفن اليدوي

الزخارف الإسلامية والقبطية تشكل جزءًا من هويته الفنية إبداع زيكا لا يقتصر على الربح بل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *