السر بين الحقيقة والخرافة
النداهة ..واحدة من أكثر الحكايات الشعـبية إثارة للجدل والرعب
صوت ناعم في الظلام كاد يخطفني .. حكاية «علي» التي لا تُنسى مع النداهة
الباحثون: النداهة ليست كائناً خارقاً بل رمز للخوف من المجهول

ترويها : نورهان اسامه
من قلب القرى المصرية، خرجت واحدة من أكثر الحكايات الشعبية إثارة للجدل والرعب في آنٍ واحد، «النداهة»، الاسم الذي لا يُنسى، ظل يتردد عبر الأجيال، يحمل معه رهبة الليل وغموض الحكايات التي تختلط فيها الحقيقة بالأسطورة.. ليست مجرد قصة تُروى للتسلية أو التخويف، بل هي مرآة تعكس عمق الخيال الشعبي، وتُعبّر عن خوف الإنسان من المجهول، وميله لابتكار صورٍ تحذر من مخاطر الليل والمكان المجهول.. في هذا التحقيق، تستعرض مجلة «وتد» تفاصيل تلك الحكاية الشعبية التي ما زالت تثير الحيرة والخوف، بين من يصدقها ومن يراها مجرد خرافة خُلقت لحماية الناس من المجهول.
من تكون النداهة؟
النداهة ليست مجرد شخصية خيالية، بل أسطورة مترسخة في الوجدان الشعبي المصري، خاصة في المناطق الريفية والقرى البعيدة.. يقال إنها روح امرأة كانت ضحية لظلم أو مأساة عاطفية كبيرة، انتهت بوفاتها بطريقة غامضة، فتاهت روحها لتتحول إلى كائن ليلي يظهر في الظلام، ينادي باسمه ضحاياه، ويدعوهم للسير وراءه.
في بعض الروايات، توصف النداهة بأنها امرأة شديدة الجمال، ذات شعر طويل وصوت ناعم، تظهر قرب الحقول أو الترع أو المناطق النائية.. لا يظهر وجهها بوضوح، لكن صوتها المغري هو ما يدفع الناس للاقتراب منها، حتى يجدوا أنفسهم تائهين.. أو مختفين تمامًا.
حكاية «علي» مع النداهة
يحكي «علي»، أحد سكان قرية صغيرة في دلتا مصر، عن تجربة غريبة لا ينساها:
«كنت راجع من المزرعة متأخر، الدنيا كانت هادية خالص، وفجأة سمعت صوت بيناديني. الصوت كان ناعم وجميل، كأن حد بيقول لي: (تعالى… تعالى شوفني). مشيت ناحية الصوت، لقيت نور ضعيف وشكل ست واقفة، شعرها طويل، ووشها مش باين. قربت، لكن فجأة حسيت بحاجة تخنقني، ومش قادر أتحرك. جريت على البيت، وكل شوية أسمع الصوت ورايا بيخف، بس لحد دلوقتي مش قادر أنسى اللي حصل.»
رواية «علي» لا تختلف كثيرًا عن عشرات الحكايات المماثلة التي يرددها الأهالي، والتي تتشابه فيها التفاصيل بشكل يثير التساؤل: هل نحن أمام خيال جمعي تشكل على مدار سنوات؟ أم أن هناك شيئًا آخر بالفعل؟

النداهة بين الأسطورة والتفسير الاجتماعي
يرى بعض الباحثين أن النداهة ليست كائناً خارقاً، بل رمز للخوف من المجهول، خاصة في المجتمعات الزراعية التي تعيش بالقرب من الحقول والترع.. هذا الخوف تترجمه الذاكرة الشعبية في صورة كائنات خيالية تحذر الناس من الخروج ليلًا أو الاقتراب من أماكن خطرة.
كما يفسرها آخرون بأنها وسيلة مجتمعية لحماية الفتيات والشباب من التسكع ليلاً، أو للحد من المخاطر المرتبطة بالسير في الطرق المظلمة أو الأماكن المهجورة.
أسطورة لم تمت
رغم التطور التكنولوجي وانتشار وسائل المعرفة، لا تزال أسطورة النداهة حية في عقول الكثيرين، تُروى للأطفال كحكاية قبل النوم، أو تحكى على لسان كبار السن الذين يحتفظون بها كجزء من ذاكرتهم الثقافية.
النداهة، برمزيتها، تمثل أكثر من مجرد خرافة؛ إنها جزء من تراثنا الشعبي، ومرآة لعلاقتنا بالليل، والخوف، والمجهول.. وفي كل مرة نسمع فيها صوتاً غريباً في الظلام، ربما نتساءل، ولو للحظة: هل هي… النداهة؟
مجلة وتد إعلام الشروق
