السينما والتدين الشعبي.. حين يصبح الدين مادة درامية
الناقدة السينمائية أمنية عادل: السينما رصدت مظاهر التدين لكنها لم تسع دائمًا إلى تفكيكها
أفلام عاطف الطيب وداوود عبد السيد قدمت مساءلات جريئة
السينما التجارية تتجنب مساءلة المعتقدات لإرضاء الجمهور ..و السينما المستقلة أكثر حرية في تناول الدين والخرافة
في حديث مع الناقدة السينمائية أمنية عادل، ألقت الضوء على طبيعة هذا التناول، واختلافه بين السينما التجارية والمستقلة، وكذلك تأثير التحولات الاجتماعية والدينية على اختيارات صُنّاع الأفلام.
السينما كمرآة جزئية للواقع
ترى الناقدة أن السينما كانت في معظم الأحيان مرآة لما يجري في المجتمع من مظاهر تدين شعبي، لكنها «مرآة جزئية أو مائلة»، على حد تعبيرها. فهي رصدت هذه المظاهر، لكنها لم تكن دومًا مدفوعة بوعي نقدي أو رغبة في التفكيك. وتضرب مثالًا بشخصيات متكررة في الأفلام، مثل الشيخ الذي يعالج بالرقية، أو المرأة التي تلجأ للدجل. لكنها تشير أيضًا إلى لحظات سينمائية جريئة حاولت مساءلة هذه الظواهر، مثل أفلام عاطف الطيب وداوود عبد السيد، والتي مزجت الحس النقدي بالبعد الإنساني والاجتماعي.
الفارق بين التجاري والمستقل
توضح أمنية عادل أن السينما التجارية عادةً ما تقدّم التدين الشعبي كعنصر درامي مألوف دون مساءلة، حرصًا على إرضاء الجمهور الأوسع وتفادي الصدام مع معتقداته. أما السينما المستقلة، وبحكم استقلالها عن الضغوط الإنتاجية والرقابية، فتملك قدرًا أكبر من الحرية لطرح الأسئلة والتجريب. وقد ظهرت في السنوات الأخيرة أعمال مستقلة – وثائقية وروائية قصيرة – تعالج موضوعات مثل علاقة الناس بالأولياء، أو المزج بين الدين والخرافة، بقدر أكبر من الجرأة والبساطة في آنٍ واحد.
تحولات المجتمع وأثرها
على السينما
ترى الناقدة أن كل موجة تدين اجتماعي في مصر والعالم العربي تركت بصمتها على السينما. فمنذ السبعينيات، ومع صعود التيارات الإسلامية، بدأت التحولات تظهر بوضوح على الشاشة: تغيّرت صورة المرأة، وزادت الرقابة الذاتية، ومال بعض الفنانين إلى الاعتزال أو مراجعة اختياراتهم. أما في الألفينيات، فقد اتجه بعض المنتجين إلى مخاطبة جمهور محافظ، بينما اختار آخرون التمرد على هذا المناخ، وتقديم أفلام تفتح النقاش حول الدين والهوية والموروث.
السينما ليست مجرد انعكاس
ورغم أن السينما تبدو أحيانًا مجرد مرآة، تؤكد أمنية عادل أنها «مرآة فاعلة»، فهي تعيد تشكيل الواقع، وتؤثر بدورها في الوعي الجمعي. عبر إعادة إنتاج الصور النمطية، كالربط بين التدين والخرافة، أو تصوير المتدين في صورة أحادية، قد تُسهم السينما في ترسيخ مفاهيم معينة، خاصة في غياب التثقيف الديني العقلاني. ومن ثم، يصبح للفن دور مزدوج: توثيقي من جهة، ومؤثر على المخيال الجمعي من جهة أخرى.
نظرة نحو المستقبل
تعتقد أمنية أن مستقبل تناول التدين الشعبي في السينما يرتبط بمدى توفر الحرية والجرأة الفكرية. فهناك جيل جديد من المخرجين والكُتّاب يملك الحماسة والأسئلة، لكنه بحاجة إلى مناخ يسمح بالتجريب والمواجهة. وبينما يظل الجمهور يبحث عن أعمال تمس قضاياه الحقيقية، تؤمن بأن السينما التي تخاطب العقل والوجدان في آنٍ، ستظل قادرة على البقاء والتأثير، مهما كانت التحديات.
مجلة وتد إعلام الشروق
