
رمز للمقاومة وأغاني النصر خلال العدوان الثلاثي
السمسمية رحلة آلة فرعونية في قلب التراث الشعبي ومدن القناة

تقرير: حبيبة علي
تعد آلة السمسمية واحدة من أبرز الآلات الموسيقية التي ارتبطت بالتراث الشعبي المصري، خاصة في مدن القناة مثل السويس والإسماعيلية وبورسعيد.. تحمل السمسمية إرثًا فرعونيًا عريقًا، لكنها تطورت على مر الزمن لتصبح رمزًا للمقاومة والثقافة الشعبية، في هذا التقرير، تستعرض مجلة “وتد” أصول السمسمية وعلاقتها بالثقافة الشعبية، ودورها التاريخي، بالإضافة إلى الجهود المبذولة لإحيائها.

من الحضارة الفرعونية إلى العالم العربي
ترجع أصول السمسمية إلى الحضارة الفرعونية، حيث استخدمها القدماء المصريون في المراسم الجنائزية. كانت الآلة تُصنع آنذاك من أصناف السلاح البحرية، وأوتارها من أمعاء الحيوانات، ما منحها صوتًا غليظًا يلائم الأجواء الجنائزية.
من خلال حركة التجارة، انتقلت السمسمية من مصر إلى دول حوض البحر الأحمر، مثل اليمن والسعودية والسودان والأردن.. ورغم انتشارها، يؤكد الباحثون أن أصول السمسمية مصرية فرعونية، حيث وُثقت رسوماتها على جدران المعابد.
الثقافة الشعبية في مدن القناة
لعبت السمسمية دورًا محوريًا في حياة سكان مدن القناة، حيث ارتبطت بالبيئة البحرية التي كانت تعتمد على الصيد والملاحة.. مثلما عبّرت الربابة عن التراث الصعيدي، جاءت السمسمية لتروي قصص أهل القناة، إذ كانت تُستخدم في أغاني الصيادين وعمال الموانئ، لتصبح صوتًا شعبيًا يمثل المنطقة.

دورها في المقاومة وأغاني النصر
برزت السمسمية كرمز للمقاومة خلال العدوان الثلاثي عام 1956 وحرب الاستنزاف.. شكّلت أغاني السمسمية مصدر إلهام لتحفيز الروح المعنوية، وظهرت فرقة «ولاد الأرض» بقيادة الكابتن غزالي في السويس.
قدمت الفرقة أغاني تُشعل الحماسة وتبث الأمل، مثل «والله هترجع تاني لبيت وكولغيطك» و«فات كتير يا بلدنا».. انتشرت هذه الأغاني بفضل المهجرين من مدن القناة الذين نقلوها إلى محافظات مصر المختلفة.
التطور الفني للسمسمية
في بداياتها، كانت السمسمية تضم خمسة أوتار فقط.. لكن مع تطور الزمن، أضاف العازفون أوتارًا جديدة لتوسيع السلم الموسيقي، حتى وصلت إلى 21 وترًا. كما أُدخلت تقنيات حديثة، مثل مضخمات الصوت، مما أتاح استخدام السمسمية في العروض الموسيقية الحديثة.

فرق السمسمية.. من الشعبية إلى الاحترافية
شهدت السمسمية فترات ازدهار في السبعينيات والثمانينيات، حيث ظهرت فرق مثل فرقة «البحّارة» وفرقة «الفنار».. ومع تطور الزمن، قلت شعبية السمسمية في التسعينيات، لكنها عادت بقوة مع بداية الألفية بفضل جهود فناني السويس والإسماعيلية وبورسعيد.
اليوم، تسعى فرق مثل فرقة «المعدية» التي أسسها الفنان موسى أحمد موسى إلى تعليم الشباب عزف السمسمية، ويقول تامر: «بدأنا بمبادرة تطوعية، واليوم لدينا أكثر من 14 عازفًا جديدًا، من أطباء ومدرسين إلى صيادلة ونجارين، ممن وجدوا شغفهم في هذه الآلة التراثية».

السمسمية.. تراث مشترك؟
في عام 2023، أُدرجت السمسمية كتراث غير مادي مشترك بين مصر والسعودية في اليونسكو، مما أثار جدلاً واسعًا.. يؤكد الباحثون المصريون أن أصول السمسمية واضحة في التاريخ الفرعوني، ويستشهدون بالنقوش الموجودة على جدران المعابد.
ورغم التحديات، هناك جهود مستمرة لإحياء السمسمية والحفاظ عليها كجزء من التراث الشعبي.. من خلال المبادرات المجتمعية والمدارس الفنية، ويتم تعليم الأجيال الجديدة هذا الفن، لضمان استمراريته.
وتظل السمسمية رمزًا للهوية الثقافية والمقاومة الشعبية، شاهدة على تاريخ غني من الإبداع والتحدي، وحاملة لصوت الشعب المصري عبر الأجيال.
مجلة وتد إعلام الشروق
