=ترويها : ريم محمد
في ليالي البيت الهادئة، حين يخيّم السكون وتصفو الأرواح، تجتمع الأحفاد حول جدتهم يستمعون لحكايات لا تُقرأ في كتاب، ولا تُشاهد على الإنترنت. حكايات تُروى من القلب، عن زمن كانت البساطة فيه عنوانًا، وكانت القلوب عامرة بالرضا والمحبة.
تجلس الجدة، وقد غزت التجاعيد وجهها بحكمة السنوات، وتفتح صندوق ذاكرتها القديمة، لا لتتذكّر فقط، بل لتُسلم الحكاية لمن بعدها. تقول:
“زمان، العروسة كانت تتجوز وهي صغيرة، وعزالها شوية هدوم وكم حلة للطبخ. كانت تعيش في بيت العيلة، تأخذ أوضة واحدة وسط ناس كتير من قرايب العريس. مفيش رفاهية، لكن كان فيه دفء وسند.”
تحكي بفخر كيف ربّت ثلاثة أطفال ليسوا أولادها، بعدما تركتهم أمهم وغادرت، وتقول:
“كنت بصحى بعد الفجر، والبيت يصحى معايا. كنا ننام بدري مش زي دلوقتي. علمت ولادي يحبوا بعض ويخافوا على بعض. زمان كان فيه خير في البيوت، الأكل من صنع إيدينا، كنا نعمل الجبنة القريش، واللبن مالي البيت، وكل حاجة من عندنا، حتى البيض من فراخنا.”
وتستطرد بابتسامة فيها حنين:
“اللي معندوش كان ياخد من اللي عنده، والكل بيشيل بعض. الفرح كان زفة على جمل، العريس والعروسة يركبوا الجمل، والناس تزفهم، مفيش صالات ولا دي جي. الفرحة كانت خارجة من القلب.”
وعن التعليم، قالت الجدة:
“مكنش حد بيهتم بالمدارس، أنا وصلت بس للصف السادس، لكن رحت الكُتاب، وحفظت القرآن وأنا صغيرة.”
وتتابع عن تربية أولادها:
“ربيتهم على الأدب، والاحترام، والخوف من ربنا. الصلاة كانت أهم حاجة، حتى صلاة الفجر في عز التلج، كانوا يخرجوا يصلوا في الجامع. كنا نصلي العشاء وننام، والدنيا كلها كانت هادية.”
وتعود بذاكرتها لحياتها كزوجة شابة:
“كنا نعيش في بيت كبير، بس مش لوحدي. الجواز كان في بيت العيلة، في أوضة بس، والعزال شنطة هدوم. مكنش في تكاليف زي دلوقتي. لبسنا كان جلابية قطن، ومنديل نلفه على راسنا. مفيش هدوم جاهزة، كنا بنخيط الجلابية بإيدينا.”
ولما سألها أحد أحفادها عن الأكل زمان، ردت:
“كل حاجة كنا نعملها. الجبنة، الزبدة، العيش، حتى الخضار من أرضنا، والبيض من فرخنا. مكنش فيه محلات ولا مطاعم. واللي عنده يدي اللي معندوش.”
وعندما سُئلت عن المبادئ التي غرستها في أبنائها، قالت بثقة:
“علمتهم الاحترام، وإن العيلة سند، وأهم حاجة يحبوا بعض. كنت دايمًا أقولهم: الراجل مش بصوته العالي، الراجل بأخلاقه.”
أما عن قوانين البيت، فقالت:
“كان في نظام. كلنا نأكل مع بعض، والصلاة لازم في المسجد، والمذاكرة أهم من أي حاجة. وكان ممنوع حد يتأخر برا البيت.”
وفي لحظة مؤثرة، حكت الجدة موقفًا لا تنساه، والدموع تلمع في عينيها:
“يوم ما أمي ماتت، كنت قاعدة أسرّح شعرها، وعملت لها الشاي. قالتلي: خلي بالك من إخواتك، وما تزعليش حد. سبتها، وقالتلي إنها هتنام، ولما رجعت أصحيها للصلاة، مكنتش بتصحى. وشها كان منوّر، وريحته مسك. ماتت على سريري في بيتي. من يومها وأنا دايمًا أقول لأحفادي: محدش ينام وهو زعلان من حد.”
وأضافت:
“أنا مخلفتش غير ولاد، لكن كانوا نعم الولاد. علمتهم إن اللي عنده رغيف، يكسره نصين: نص ليك ونص لأخوك. ولما كنت بتعب، كانوا يطبخوا ويشيلوا البيت بدالي.”
ثم قالت بصوت خافت، يمزج الحنين بالحزن:
“ابني الكبير… قلبي عمره ما ارتاح من بعده. مات وهو عنده 20 سنة، كان عنده سرطان. من يومها، وأنا لما أفتكره قلبي يوجعني. بس بترحم عليه، وبقول الله يرحمه، كان ونعم الابن.”
وفي ختام الحكاية، نظرت إلى أحفادها وقالت:
“بحكي لهم عن كل حاجة: عن الغيط، عن ريحة العيش الطالع من فرن الطين، عن جدهم لما جه يخطبني، عن اللمبة الجاز، عن المطر اللي غرق بيتنا، عن أمي، وابني سمير، عن فرحي اللي كان. لما بشوف أحفادي بحس إن روحي رجعت، ووشّي ينور.”
مجلة وتد إعلام الشروق
