أخبار عاجلة

التراث الحرفي.. زيكا يواصل صناعة الفن اليدوي

الزخارف الإسلامية والقبطية تشكل جزءًا من هويته الفنية

إبداع زيكا لا يقتصر على الربح بل يعكس شغفًا حقيقيًا بالصنعة

استخدامه لمواد طبيعية غير تقليدية يعكس ارتباطه بالطبيعة وروح التراث

تقرير : رحمه كامل

في إحدى ورش الحرفيين التي تنبض بروح التراث، يعمل زيكا، صانع في السابعة والأربعين من عمره، بورشة توارثها عن والده. ورشة لم تكن مجرد مكان لصناعة الخشب والجلد، بل مسرحًا لتحويل الخامات الطبيعية إلى تحف فنية تنتمي إلى الزمن الجميل. زيكا لا يصنع لمجرد البيع فقط، بل ليُبدع قطعة فنية متفردة تروي حكاية الأصالة، وتورَّث بين الأجيال، حيث يتداخل الخشب، الجلد، والصدف بشكل معقد ودقيق. وعلى الرغم من أن أعماله قد تظل لسنوات دون أن تُباع، إلا أن زيكا يثق أن كل قطعة تنتظر “زبونها” الذي يقدّر قيمتها. في عالمه، يتقاطع الفن العربي والإسلامي والفرعوني والقبطي، ليُحفظ التراث بأسلوب معاصر ومتجدد.

فنّ لا يعرف الزمن

يقول زيكا: “أنا مش صنايعي.. أنا غاوي صنعة”. هكذا يصف علاقته بمهنته التي لا يقتصر فيها عمله على الربح فقط، بل على الإبداع. يتقن صناعة جميع الأشكال من علب، وترابيزات، وبرواز بمقاسات مختلفة، مستخدمًا خامات طبيعية مثل جلد السلحفاة الذي لا يتجاوز سُمكه المليمتر، إضافة إلى العظام، والصدف، وقرون الجاموس، ومواسير الجمال. جميع هذه الخامات يتم تشكيلها بنقوش هندسية دقيقة تعكس ملامح الهوية الفنية العربية الأصيلة.

خامات من الطبيعة وروح من التراث

زيكا لا يقتصر على الخامات التقليدية فقط، بل يستخرج الجمال من الطبيعة القاسية. على سبيل المثال، يستخدم قرون الجاموس الأفريقي، ويستخرج منها الريش، بينما يستخدم قشور “الزحلفة المائية” لتطعيم الزخارف الصدفية. بالإضافة إلى ذلك، يحرص زيكا على توفير خيارات متعددة للزبائن؛ فالبعض يفضل الجلد الصناعي لتقليل التكلفة، بينما يطلب البعض الآخر الجلد الطبيعي رغم ارتفاع ثمنه. وفي هذا الصدد يقول: “الشكل الخارجي ما يميزهش أي حد.. التميز الحقيقي في الإحساس وجودة الصنعة”.

من يد ليد.. هكذا تُصنع التحفة

الصنعة التي يمارسها زيكا ليست عملًا فرديًا، بل تعتمد على سلسلة من الحرفيين المتخصصين. تبدأ العملية من “الماكنجي” الذي يجهز الصدف ويقطعه بدقة حسب المقاسات والزوايا المطلوبة، ثم يأتي دور من يلصق القطع الصغيرة على الخشب وفق تصميم هندسي متقن. بعد ذلك، تُمرر القطعة على مراحل متعددة من التنظيف، والصنفرة، والتلميع. وفي هذا السياق، يقول زيكا: “كل يد بتلمس الشغل بتحط فيه من روحها.. وده اللي بيخلي كل قطعة فريدة من نوعها”.

العود.. تحفة لا تتكرر

من أندر ما صنعه زيكا هو عود موسيقي مطعَّم بالصدف الأزرق وجلد ظهر الترسة بخامات طبيعية نادرة لا تتوافر بسهولة. يقول زيكا بفخر: “العود دا كان في منه اتنين؛ واحد راح السعودية والتاني لسه عندي. دا مش بيتقلد.. لأنه معمول بروح مش بخط إنتاج”. ويضيف أن هذا العود ليس مجرد آلة موسيقية، بل هو تحفة فنية تستخدمها الفرق الموسيقية كزينة وربما يعزفون عليها، لكنها تظل شاهدًا على مهارة فنية متوارثة من أيام الفراعنة، حيث كانت مصر هي البلد الأم لصناعة العود قبل أن يعرفه الغرب.

الفن الفرعوني والقبطي والإسلامي حيٌّ هنا

إبداعات زيكا لا تقتصر على الطابع العربي فقط، بل تشمل الزخارف الإسلامية، والرسومات القبطية، وكذلك شغل الكنائس والنقوش النباتية. يعيد زيكا إنتاج الرسوم الفرعونية بدقة مبهرة، كما يصمم الكتابة الكوفية بالصدف. ومن خلال هذه الأعمال، يدمج بين روح الماضي وخامات الحاضر، ليخلق أعمالاً تحفظ التراث وتعيد تقديمه بروح معاصرة.

التراث في كل قطعة

في ورشة زيكا، كل قطعة تحمل تاريخًا وروحًا ولمسة لا تنسى. عمله ليس مجرد صناعة، بل هو حكاية عشق بدأت منذ الطفولة، ويأمل أن تستمر ليس فقط بالتوريث، بل بالإبداع والتجديد. يقول زيكا: “اللي بعمله بيتوراث.. لأن التراث مش لازم يتحبس في المتاحف.. ممكن يعيش في بيت على ترابيزة أو في برواز ويكمل حكايته مع الزمن”.

عن admin

شاهد أيضاً

مكواة الرجل حين يتحول الكي إلى فن والحديد إلى تراث

الحاج أحمد المكوجي: المهنة تظل ثابتة في وجه التغيرات  منذ 1910 • النشا والصابون لتلميع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *