أخبار عاجلة

التدين الشعبي في السينما.. من التقديس  إلى النقد والسخرية

تحقيق: حبيبة علي

لطالما كانت السينما المصرية مرآة للمجتمع، تعكس قضاياه وتحولاته، ولم يكن التديُّن الشعبي استثناءً من ذلك. فمنذ نشأتها، قدمت السينما صُوَرًا متنوعة للدين والتديُّن، تراوحت بين الاحترام والتقديس، مرورًا بالنقد والتحليل، وصولًا إلى السخرية والتوظيف السياسي. فكيف تعاملت السينما مع التديُّن الشعبي عبر العقود؟

التديُّن كجزء من الهوية الثقافية

في العقود الأولى من السينما المصرية، لم يكن التديُّن الشعبي موضوعًا للنقاش، بل كان جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية. الأفلام الصامتة وأوائل الإنتاجات السينمائية مثل زينب (1930) عرضت صورًا بسيطة للمجتمع المصري، حيث كان التديُّن حاضرًا من خلال مشاهد الصلاة، والأذان، وزيارة الأولياء.

فيلم زينب (1930) من إخراج محمد كريم، وبطولة بهيجة حافظ، سراج منير، وزكي رستم، مأخوذ عن رواية محمد حسين هيكل، ويُعد أول فيلم مصري طويل، وقد قدَّم صورة تقليدية للمجتمع الريفي، حيث التديُّن جزء من حياة الناس اليومية دون أن يكون محورًا للأحداث.

ومع دخول السينما مرحلة النضج في الأربعينيات والخمسينيات، بدأ يظهر التديُّن كعامل أخلاقي، لكنه لم يكن في صراع مع المجتمع، بل مرجعية قيمية، كما في أفلام مثل دعاء الكروان (1959). في هذا الفيلم، من إخراج هنري بركات وبطولة فاتن حمامة، أحمد مظهر، وأمينة رزق، والمأخوذ عن رواية طه حسين، يبرز الدين كقوة أخلاقية داعمة للبطلة، حيث تلعب أمينة رزق دور الأم المتدينة التي تدعو ابنتها للالتزام بالقيم رغم الظروف القاسية.

غياب الخطاب الديني لصالح الوطنية

في عهد عبد الناصر، ومع تصاعد المد القومي والاشتراكي، تراجع التديُّن الشعبي في الأفلام، إذ ركزت السينما على قضايا العدالة الاجتماعية والنضال الوطني. لم يكن الدين غائبًا تمامًا، لكنه ظهر في إطار وحدوي غير جدلي، وغالبًا ما قُدّمت الشخصيات المتدينة في أدوار داعمة، مثل الشيخ الحكيم أو القس الطيب.

في فيلم الزوجة الثانية (1967) من إخراج صلاح أبو سيف، وبطولة سعاد حسني، شكري سرحان، وصلاح منصور، تدور الأحداث في الريف المصري، ويظهر التديُّن الشعبي كجزء من العادات والتقاليد، من خلال شخصية الشيخ الذي يُحلل للظالم الزواج القسري، مما يعكس استغلال الدين لتبرير الظلم الاجتماعي.

صعود الإسلام السياسي

شهدت فترة السبعينيات والثمانينيات تحولًا كبيرًا في صورة التديُّن بالسينما المصرية، متأثرة بصعود الإسلام السياسي بعد نكسة 1967 وانفتاح السادات. بدأ يظهر التديُّن كقضية مجتمعية مثيرة للجدل، وتم تقديم المتدينين في شخصيات متناقضة؛ بين الشيخ الورع الحكيم، والداعية المتطرف أو المنافق.

في فيلم البريء (1986) إخراج عاطف الطيب، وبطولة أحمد زكي، محمود عبد العزيز، وممدوح عبد العليم، يناقش الفيلم كيف يتم استغلال البسطاء باسم السلطة والدين، حيث يظهر التديُّن كأداة في يد السلطة للتحكم في الأفراد.

أما فيلم الإرهابي (1994) من إخراج نادر جلال، وبطولة عادل إمام، شيرين، وصلاح ذو الفقار، فيتناول قصة شاب متطرف يتم استغلاله من قبل الجماعات المتشددة، لكنه يكتشف تدريجيًا زيف أفكارهم، ويُعد من أبرز الأفلام التي انتقدت الإرهاب الديني.

التديُّن بين النقد والاستغلال التجاري

مع دخول التسعينيات والألفينات، أصبحت صورة التديُّن الشعبي أكثر تعقيدًا، حيث بدأت بعض الأفلام تستخدمه كأداة تسويقية، بينما لجأت أفلام أخرى إلى النقد الجاد.

في فيلم مرجان أحمد مرجان (2007) إخراج علي إدريس، وبطولة عادل إمام، ميرفت أمين، وأحمد مكي، تُقدَّم كوميديا ساخرة عن رجل أعمال يحاول كسب الشعبية من خلال التظاهر بالتديُّن، وهو نموذج نقدي للتديُّن المظهري.

أما عمارة يعقوبيان (2006) من إخراج مروان حامد، وبطولة عادل إمام، نور الشريف، وخالد الصاوي، فيتناول كيف يمكن أن يكون التديُّن طريقًا إما للخلاص أو للانحراف، حيث يظهر خالد الصاوي كشاب متدين يتم استقطابه للجماعات الإرهابية بسبب الفقر والظلم.

في بحب السيما (2004) إخراج أسامة فوزي، وبطولة ليلى علوي، ومحمود حميدة، يناقش الفيلم تأثير التعصب الديني داخل الأسرة، خاصة من خلال شخصية الأب المتدين المتشدد الذي يفرض على أسرته ممارسات صارمة.

التديُّن بين الفلسفة والصراع السياسي

بعد ثورة 2011، أصبحت السينما أكثر جرأة في تناول التديُّن الشعبي، وبدأت الأفلام تتعمق في تحليل الظاهرة من زوايا مختلفة.

فيلم مولانا (2017) إخراج مجدي أحمد علي، وبطولة عمرو سعد، درة، وأحمد مجدي، مأخوذ عن رواية إبراهيم عيسى، ويتناول كيف يتم توظيف الخطاب الديني في السياسة والإعلام.

أما الشيخ جاكسون (2017) من إخراج عمرو سلامة، وبطولة أحمد الفيشاوي، وماجد الكدواني، فيعكس الصراع النفسي لشاب متدين يعاني من أزمة هوية بين ماضيه المحافظ وحبه لموسيقى مايكل جاكسون.

وفي الضيف (2018) إخراج هادي الباجوري، وبطولة خالد الصاوي، وأحمد مالك، يناقش الفيلم التطرّف الديني من خلال لقاء فكري بين مثقف ليبرالي وشاب متدين متشدد.

انعكاس أم صانع للوعي؟

لا شك أن السينما المصرية لم تكتفِ بعكس صورة التديُّن الشعبي، بل ساهمت أيضًا في تشكيل الوعي حوله. فمن خلال عشرات الأفلام، خلقت السينما تصورات عن المتدين، سواء كان مثالًا للحكمة، أو رمزًا للزيف، أو أداة للاستغلال السياسي.

ومع استمرار التحولات المجتمعية، يبقى السؤال: كيف ستقدم السينما التديُّن الشعبي في المستقبل؟ هل ستستمر في نقد التديُّن المظهري، أم ستتبنى رؤى أكثر تعقيدًا تتجاوز الثنائية التقليدية بين الصالح والطالح؟

السينما بين الرصد والتأثير

في حديث مع الناقدة السينمائية أمنية عادل، ألقت الضوء على طبيعة تناول التديُّن الشعبي في السينما، واختلافه بين السينما التجارية والمستقلة، وكذلك تأثير التحولات الاجتماعية والدينية على اختيارات صنّاع الأفلام.

السينما كمرآة جزئية للواقع

ترى أمنية أن السينما كانت في معظم الأحيان مرآة لما يجري في المجتمع من مظاهر تديُّن شعبي، لكنها «مرآة جزئية أو مائلة»، فهي رصدت هذه المظاهر، لكنها لم تكن دومًا مدفوعة بوعي نقدي أو رغبة في التفكيك. وتضرب مثالًا بشخصيات متكررة في الأفلام، مثل الشيخ الذي يعالج بالرقية، أو المرأة التي تلجأ للدجل. لكنها تشير أيضًا إلى لحظات سينمائية جريئة حاولت مساءلة هذه الظواهر، مثل أفلام عاطف الطيب وداوود عبد السيد، التي مزجت الحس النقدي بالبعد الإنساني والاجتماعي.

الفارق بين التجاري والمستقل

وتوضح أن السينما التجارية عادةً ما تقدّم التديُّن الشعبي كعنصر درامي مألوف دون مساءلة، حرصًا على إرضاء الجمهور وتفادي الصدام مع معتقداته. أما السينما المستقلة، فبفضل استقلالها عن الضغوط الإنتاجية والرقابية، تملك قدرًا أكبر من الحرية لطرح الأسئلة والتجريب. وقد ظهرت في السنوات الأخيرة أعمال مستقلة – وثائقية وروائية قصيرة – تعالج موضوعات مثل علاقة الناس بالأولياء، أو المزج بين الدين والخرافة، بقدر أكبر من الجرأة والبساطة في آن واحد.

تحولات المجتمع وأثرها على السينما

تؤكد أمنية أن كل موجة تديُّن اجتماعي في مصر والعالم العربي تركت بصمتها على السينما. فمنذ السبعينيات، ومع صعود التيارات الإسلامية، بدأت التحولات تظهر على الشاشة: تغيّرت صورة المرأة، وزادت الرقابة الذاتية، ومال بعض الفنانين إلى الاعتزال أو مراجعة اختياراتهم. أما في الألفينات، فقد اتجه بعض المنتجين إلى مخاطبة جمهور محافظ، بينما اختار آخرون التمرد وتقديم أفلام تفتح النقاش حول الدين والهوية والموروث.

السينما ليست مجرد انعكاس

ورغم أن السينما تبدو أحيانًا كمرآة فقط، تؤكد أمنية عادل أنها «مرآة فاعلة»، فهي تعيد تشكيل الواقع، وتؤثر بدورها في الوعي الجمعي. عبر إعادة إنتاج الصور النمطية، كالربط بين التديُّن والخرافة، أو تصوير المتدين في صورة أحادية، قد تساهم السينما في ترسيخ مفاهيم معينة، خاصة في غياب التثقيف الديني العقلاني. ومن ثم، يصبح للفن دور مزدوج: توثيقي من جهة، ومؤثر على المخيال الجمعي من جهة أخرى.

نظرة نحو المستقبل

تعتقد أمنية أن مستقبل تناول التديُّن الشعبي في السينما يرتبط بمدى توفر الحرية والجرأة الفكرية. فهناك جيل جديد من المخرجين والكتّاب يملك الحماسة والأسئلة، لكنه بحاجة إلى مناخ يسمح بالتجريب والمواجهة. وبينما يظل الجمهور يبحث عن أعمال تمس قضاياه الحقيقية، تؤمن بأن السينما التي تخاطب العقل والوجدان في آن، ستظل قادرة على البقاء والتأثير، مهما كانت التحديات.

عن admin

شاهد أيضاً

التديـــن الشعبي قراءة مــيدانية في وجدان المصريين

ملف خاص ترصد فيه مجلة « وتد» مظاهر المعتقدات المتوارثة والتقاليد الروحانية التديـــن الشعبي قراءة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *