الدكتور حسام محسب يكشف لـ«وتد»:
أسرار الرقصة الشهيرة وتحولها من سلاح للدفاع إلى رمز للهوية الثقافية
في الموالد والأفراح يتحول من لعبة إلى رقصة يشارك فيها الجميع

حوار : ريم محمد
في عمق الريف والصعيد المصري، لا تزال رقصة التحطيب تحتفظ بمكانتها الخاصة في الذاكرة الجمعية، بوصفها أكثر من مجرد فن شعبي.. هي تراث حيّ ينبض بالقوة والكرامة، وتاريخ طويل من التقاليد والمنافسات التي تمارَس بالعصا، وتخاض على إيقاع الموسيقى والرجولة معا.
ولفهم أعمق لجذور هذا الفن الشعبي وتطوره عبر الزمن، كان لمجلة “وتد” هذا الحوار الخاص مع الدكتور حسام محسب، الباحث المتخصص في التراث الشعبي، الذي يضيء لنا جوانب مهمة من هذه الرقصة/اللعبة، وعلاقتها بالهوية الثقافية لأبناء الصعيد، وكيف أصبحت جزءًا من تراث مصر غير المادي.. إلى نص الحوار:
– كيف بدأت رقصة التحطيب في مصر؟ وهل لها جذور مصرية؟
— التحطيب رقصة مصرية أصيلة، ولا يمكن تحديد تاريخ دقيق لظهورها، لأنها نشأت في قلب المجتمع الشعبي، ظهرت من خلال الممارسة الشعبية في البيئات المختلفة في صعيد مصر، وكذلك في المدن الكبرى مثل القاهرة والإسكندرية، حيثما وُجدت تجمعات صعيدية. يمارسها الناس هناك لأنها تعبّر عن الشهامة والرجولة، وكانت وسيلة لقضاء أوقات الفراغ.
وظائف التحطيب تطورت وتغيّرت عبر العصور، وهي في أصلها «لعبة» أكثر منها «رقصة»، ولكن نظرًا لتغيّر وظيفتها أحيانًا، صارت تُوصف كرقصة، أهل الصعيد أنفسهم لا يسمّونها رقصة، لكن نحن كمتخصصين نُحلل الظاهرة علميًا وفق السياق الاجتماعي الذي تُمارَس فيه، فهل هي لعبة أم رقصة؟
الجماعة الشعبية يعتبرونها لعبة، لها قواعد واضحة، وفيها فائز ومهزوم. أما في المناسبات مثل الموالد والأفراح، يُشارك البعض من باب المجاملة لصديق أو قريب، وهنا يخرج الأمر عن إطار المنافسة، ويقترب من طقوس الرقص، لأن المشاركين لا يتقيدون بجميع القواعد، بل يشاركون في الاحتفال والموسيقى. في هذه الحالة نُطلق عليها اسم «رقصة».
أما إذا تمت ممارستها خارج المناسبات، وبالالتزام الكامل بالقواعد، فهي تُعد لعبة. وخلال جمعنا للمعلومات ميدانيًا، لاحظنا أن من لديهم خلافات أو خصومة، يلجأون إلى التحطيب، لأن الإمساك بالعصا والدخول في اللعبة يعني قبول شروطها، وإن حدثت إصابة لا تُحسب كـ»دية» أو «تار». لكن إذا خسر أحدهم دون إصابة، قد يشعر بالهزيمة، فيبحث عن مناسبة لاحقة لرد اعتباره.
ومن هنا تطور شكل العصا المستخدمة. في الماضي، كانت تُصنع من فروع الأشجار، وكان كل بيت صعيدي يحتفظ بعصا تُعرف بـ«عصا العائلة» أو «الشومة»، كجزء من أدوات الحماية الشخصية. أما في الممارسات العامة، فيُستخدم اليوم العصا المصنوعة من الخيزران لأنها أخف وزنًا وأقل ضررًا.
– ما أهمية العصا في رقصة التحطيب؟
— العصا عنصر أساسي لا غنى عنه في التحطيب، واسم اللعبة نفسه مشتق من «الحطب»، في الماضي، كانت تُصنع من أشجار الليمون أو أي شجر متاح، أما اليوم فيُفضل الخيزران لكونه أكثر مرونة وأمانًا، فالعصا هي أساس اللعبة.
– هل كانت العصا تُستخدم للرقص أم للدفاع عن النفس؟
في الماضي، لم تكن هناك أسلحة متاحة، فكانت العصا وسيلة الدفاع الأساسية ضد الحيوانات أو أي تهديد خارجي، كما نرى في أفلام نجيب محفوظ مثل «بين القصرين» و«السكرية»، حيث كان «الفتوة» يستخدم النبوت كسلاح.
– هل هناك فرق بين التحطيب في الماضي والحاضر؟
— بالتأكيد هناك اختلافات واضحة. طريقة الأداء تختلف من محافظة لأخرى، ومن قرية لقرية، وحتى بين المدن. فالتحطيب في المناطق الجبلية يختلف عن الموجود على ضفاف النيل، أو في الريف، أو في المجتمعات الصحراوية. تختلف القوة، والحدة، وطريقة الحركة. مثلًا، في منطقة دندرة، التحطيب مرتبط بالطرق الصوفية، لذا يكون الأداء هادئًا وناعمًا، على عكس ما نجده في مناطق أخرى من الصعيد، حيث يكون الأداء حادًا وعنيفًا. وفي بعض الأماكن يُستعرض أسلوب الإمساك بالعصا وتُمارس اللعبة بأسلوب حر ومريح.

– هل توجد مدارس لتعليم التحطيب؟
لا توجد مدارس رسمية، لأن التحطيب تقليد شعبي متوارث، حيث كان الآباء يعلّمون أبناءهم، وكان يُعد رمزًا للشهامة والرجولة، ووسيلة للتسلية لكن كانت هناك مبادرة لإنشاء مدرسة لتعليم التحطيب للأجانب في الصعيد، إلا أنها غير معترف بها رسميًا.
– هل كان هناك أشخاص مشهورون في مجال التحطيب؟
— نعم، من بينهم الفنان نور الشريف، الذي قدّم شخصية باسم «محسب» وكان يمارس التحطيب، كما أن هناك شخصية محلية مشهورة في الأقصر تُدعى «عم عبد الغني»، وللحفاظ على هذا الفن من الاندثار، يُنظم مهرجان دوري في الأقصر، يجمع كبار المحطبين من محافظات مختلفة، إلى جانب فرق الفنون الشعبية التي تستلهم التحطيب في عروضها ويُعد التحطيب ثاني أكثر الألعاب شعبية في صعيد مصر بعد كرة القدم.
– هل تلعب الشخصيات المشهورة دورًا في الحفاظ على فن التحطيب؟
–التحطيب في الأساس باقٍ بفضل الجماعات الصعيدية، سواء في صعيد مصر أو في المدن التي يسكنون فيها، هم من يحافظون عليه عبر الأجيال، أما نحن، فقد سعينا لحمايته عبر إدراجه في قائمة التراث غير المادي في اليونسكو. كما أُجريت عليه دراسات أكاديمية، منها رسائل ماجستير في معهد الباليه بأكاديمية الفنون، وفي كلية التربية الرياضية للبنات، مما ساهم في توثيقه علميًا.
– هل يمكن اعتبار رقصة التحطيب جزءًا من الهوية الثقافية؟
— بلا شك، التحطيب عنصر أساسي في التراث الشعبي، ويُعد جزءًا من الهوية المصرية، لأنه لا يُمارس إلا في مصر.
مجلة وتد إعلام الشروق
