محكمة الصحراء التي تفصل بين الشرف والعار
البشعة .. إرث قضائي في تراث مصر البدوي
• الطقوس تقوم على تسخين الحديد واختبار صدق اللسان
• القبائل تلجأ لها في غياب الأدلة والشهود لحل القضايا الحساسة
• اجتيازها يعيد للمُتهم مكانته الاجتماعية ويمحو الشكوك حوله

تحقيق : نورهان اسامه
في قلب الصحراء، وبين الكثبان الرملية الممتدة، يعيش البدو على تقاليد ضاربة في القدم، تتوارثها الأجيال وتحفظها الذاكرة الجمعية بقداسة واحترام. ومن خلال هذا التقرير، تسلط مجلة «وتّد» الضوء على واحدة من هذه التقاليد؛ حيث تبرز «البشعة» كواحدة من أقدم وأغرب وسائل القضاء الشعبي، التي ما زال صداها يتردد حتى اليوم في بعض المناطق الحدودية في مصر، وتحديدًا في سيناء.
هذه العادة ليست مجرد طقس بدوي، بل مرآة لعقلية المجتمع البدوي في التعامل مع العدالة والشرف، ومظهر من مظاهر تراث قانوني غير مكتوب، يعكس كيف استطاعت المجتمعات الصحراوية أن تبتكر حلولها الخاصة لفض النزاعات والحفاظ على تماسكها الداخلي.
قضاء شعبي يحكمه الشرف
البشعة، كما يعرفها أهل البادية، هي وسيلة تقليدية لكشف الكذب أو معرفة الجاني في الجرائم التي يصعب إثباتها بالشهود أو الأدلة. ويقوم بهذه العملية شخص يُعرف بـ»البشّاع»، وهو رجل مشهود له بالعدل والهيبة والخبرة، يُنظر إليه كقاضٍ غير رسمي يحكم في القضايا الشائكة.
البشّاع لا يُختار عشوائيًا، بل يجب أن يكون معروفًا بالنزاهة والقدرة على قراءة تعبيرات الوجه وسلوك المتهمين، وهو ما يمنحه مكانة رفيعة بين أبناء القبائل.
شعائر حارقة واختبار للبراءة
تبدأ مراسم البشعة بإحضار قطعة معدنية – غالبًا ما تكون ملعقة أو سكين – ويتم تسخينها حتى الاحمرار على النار أمام الحضور. ثم يُطلب من المتهم أن يلعق هذه الحديدة الساخنة بلسانه، بعد أن يُقسم على براءته.
الاعتقاد السائد هو أن البريء، الذي لا يحمل في قلبه كذبًا أو نية سيئة، لن تؤثر عليه الحديدة، بينما الكاذب سيظهر على لسانه علامات الحرق أو التقرح.
ورغم غرابة هذا الطقس، إلا أن له وقعًا نفسيًا عميقًا، إذ يرى البعض أنه وسيلة فعالة لدفع المذنب للاعتراف قبل أن يصل إلى مرحلة «البشعة» الفعلية.
البشعة ضمن منظومة العدالة العرفية
في سيناء، تُعد البشعة جزءًا من منظومة العدالة العرفية التي ما زالت تحظى باحترام القبائل، إلى جانب «القعدة» و»الجاهة» و»الدخالة».
وقد تلجأ إليها القبائل في حالات مثل السرقة، القتل، أو حتى النزاعات القبلية المعقدة التي يصعب حلها بالطرق العادية. ولا تُفرض البشعة على أحد، بل يجب أن يوافق المتهم عليها طواعية، وهو ما يُكسبها طابعًا أخلاقيًا في نظر أبناء البادية.
وتُمارس البشعة عادة في حضور جمع من رجال القبيلة، ما يمنحها طابعًا شعبيًا ورقابيًا، ويضفي عليها طقسًا قضائيًا جماعيًا.
موقف الدولة من البشعة
أما من الناحية القانونية، فالدولة المصرية لا تعترف بالبشعة كوسيلة إثبات، نظرًا لخطورتها وعدم توافقها مع المعايير الحديثة للعدالة وحقوق الإنسان.
لكن السلطات غالبًا ما تغض الطرف عنها في المناطق التي يغلب عليها الطابع القبلي، خاصة إذا ما ساعدت على حل النزاع دون اللجوء إلى العنف أو الثأر.
ومن هنا، تظهر البشعة كوسيلة موازية للقانون الرسمي، تحكمها منظومة قيم وتقاليد قبلية، وتُمارس في إطار اجتماعي له قواعده وشروطه.
رمز للصدق والشرف في نظر البدو
اللافت في ممارسة البشعة في مصر هو ارتباطها الوثيق بالهوية الثقافية للقبائل البدوية، وكونها تمثل رمزًا للصدق والشرف.
فالفرد الذي يمر بتجربة البشعة ويخرج منها دون أذى، يُنظر إليه باعتباره صادقًا نزيهًا، وتُستعاد له مكانته الاجتماعية التي قد يكون فقدها بسبب الشكوك.
أما من يرفض الخضوع لها، فيُعد في نظر البعض مدانًا ضمنيًا، أو على الأقل شخصًا يخشى المواجهة، وهو ما قد يلقي بظلال من الشك على موقفه.
البشعة فلسفة مجتمع لا طقس بدائي
ورغم ما قد يبدو في البشعة من قسوة أو خرافة، فإنها تكشف عن عمق الفلسفة التي تحكم المجتمعات التقليدية في تعاملها مع العدالة.
فهي ليست مجرد أداة بدائية للتعذيب أو الاختبار، بل نظام متكامل يقوم على الردع والإقناع والإجماع المجتمعي. وربما يكون هذا ما يجعلها تصمد في وجه الزمن، وتستمر كجزء من تراث مصر الشعبي، رغم كل ما طرأ على المجتمع من تطورات قانونية وتشريعية.
بين القانون والعرف.. البشعة صدى للذاكرة
في النهاية، تبقى البشعة شاهدًا حيًا على قدرة الإنسان على ابتكار أدوات بديلة للعدالة، حين تغيب الدولة أو تتعثر قوانينها في الوصول إلى الحقيقة.
وبينما قد يراها البعض ممارسة غير إنسانية أو خطيرة، يراها آخرون جزءًا لا يتجزأ من ذاكرة المكان، وجسرًا يربط بين الماضي والحاضر، بين العرف والقانون، بين الحكاية والحقيقة.
قصة “حرمة العرض” وبياض اللسان
في صحراء سيناء الشاسعة، وبين كثبانها التي تحفظ أسرار القبائل، وقعت في أوائل القرن العشرين واحدة من أكثر القضايا حساسية في عُرف البدو: قضية شرف، أو كما يُقال في لغتهم «قضية عرض».
سالم، شاب من أبناء قبيلة الترابين، اتُّهم بدخول بيت أحد وجهاء القبيلة أثناء غياب رب المنزل، وقيل إنه التقى بامرأة متزوجة.
مجلة وتد إعلام الشروق
