تقرير : مؤمن اسامه هدير محمد
يعد الأراجوز من أبرز الفنون الشعبية المصرية التي تعكس عمق التراث الثقافي والروح المرحة للمصريين عبر العصور. تعود جذوره إلى الحضارة المصرية القديمة، حيث كان يُستخدم في الترفيه ومخاطبة العامة والملوك، كما تطور عبر القرون ليصبح وسيلة للتعبير عن القضايا الاجتماعية والسياسية بأسلوب ساخر وبسيط.
في هذا التقرير، نستعرض رحلة الأراجوز من أصوله القديمة إلى حضوره المعاصر، وأسباب بقائه حيًا في الوجدان الشعبي حتى اليوم.
الجذور التاريخية
يُعتقد أن الأراجوز ظهر للمرة الأولى في الحضارة المصرية القديمة، حيث استخدم المصريون العرائس في الطقوس الدينية والاحتفالات. وقد أثبت الباحث الفرنسي شارل ماتيه في كتابه “تاريخ الماريونيت” عام 1868 أن المصريين القدماء هم أول من ابتكر فن العرائس، وساهموا في نقله إلى العالم.
أما الاسم “أراجوز”، فيُرجّح أنه مشتق من العبارة التركية “قره قوز” التي تعني “العين السوداء”، وقد انتقل إلى مصر مع الفتوحات الإسلامية، وازدهر بشكل خاص في العصر الفاطمي، حيث استخدم كوسيلة ساخرة لمناقشة قضايا الحياة اليومية.
العصر المملوكي
شهد فن الأراجوز ازدهارًا كبيرًا في العصر المملوكي (1250 – 1517)، حيث أصبح جزءًا لا يتجزأ من المشهد الترفيهي في المناطق الشعبية والريفية. استخدمه “الأراجوزاتي” في تقديم القصص والمواعظ والحكايات الكوميدية، معتمدًا على دمى خشبية تُحرّك بالخيوط أو العصي، ويؤدي بها شخصيات متعددة بأصوات مختلفة.
كانت عروض الأراجوز تجذب الكبار والصغار، وتمزج بين الفكاهة والتوعية، ما جعلها تلقى قبولًا واسعًا بين عامة الناس.
دوره في الثقافة الشعبية
لم يكن الأراجوز مجرد وسيلة للتسلية، بل أدى دورًا فاعلًا في تشكيل وعي المجتمع. استخدمه الفنانون لنقد الأوضاع السياسية والاجتماعية بطريقة غير مباشرة، مما جعله مقبولًا لدى فئات متعددة من الشعب.
كما تناول الأراجوز في عروضه موضوعات متنوعة مثل السير الشعبية، كالسيرة الهلالية، وقصص الحب، والمشكلات اليومية كالفقر والزواج والعمل. وكان يُقدّم بأسلوب بسيط يجمع بين الغناء والحوار الساخر.
تطوره في العصر الحديث
شهد القرن العشرين محاولات جادة للحفاظ على هذا الفن من الاندثار. وكان الفنان محمود شكوكو من أبرز المهتمين بالأراجوز، حيث أسّس “مسرح العرائس الشعبي” في الستينيات، وقدّم عروضًا تمزج بين الترفيه والفن والتوعية.
ومع مرور الوقت، أصبح الأراجوز حاضرًا في الفعاليات الثقافية والمهرجانات الوطنية، لا سيما تلك التي تستهدف الأطفال، حيث يستخدم كأداة تربوية لتعليم القيم والمفاهيم المجتمعية.
وفي عام 2018، أدرجت منظمة اليونسكو الأراجوز ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي، تأكيدًا على أهميته التاريخية والثقافية.
التراث الحي
في الوقت الحاضر، يواصل المركز القومي لثقافة الطفل جهوده في الحفاظ على هذا الفن من خلال ورش العمل والعروض المسرحية والمطبوعات التي تقدم للأطفال، بهدف ربطهم بهذا التراث العريق وتعليمه للأجيال الجديدة.
كما يُشارك الأراجوز في مهرجانات محلية ودولية، مثل “مهرجان القاهرة الدولي لفنون العرائس”، الذي يحتفي بفنون الدمى ويعيد تسليط الضوء على الأراجوز كفن شعبي أصيل.
فن خالد
الأراجوز ليس مجرد فن ترفيهي عابر، بل هو مرآة تعكس الثقافة والوعي الجمعي للمصريين، وتُجسد قدرتهم على تحويل البساطة إلى إبداع. إنه فن يجمع بين التسلية والتعليم، ويعبر عن الهوية الثقافية المصرية بطريقة فريدة.
من المهم الاستمرار في دعم هذا الفن وإحيائه، لضمان بقائه حيًا ونقله إلى الأجيال القادمة، كجزء لا يتجزأ من ذاكرة الوطن وتراثه الحي.
مجلة وتد إعلام الشروق
